أبي داود سليمان بن نجاح
48
مختصر التبيين لهجاء التنزيل
معجزة أمية الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قولا استعظمه أهل الأندلس وغيرهم ، وتعرّض بسببه إلى امتحان عسير ، وأثار جدلا ومناقشات ، وذلك أن أبا الوليد الباجي كان يوما بدانية يشرح حديث البخاري في عمرة القضاء الذي رواه البراء بن عازب ، وفيه : « . . . فلما كتب الكتاب ، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، قالوا : لا نقر لك بهذا ، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ، ولكن أنت محمد بن عبد الله ، فقال : أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله ، ثم قال لعلي : « امح رسول الله » قال علي : لا والله لا أمحوك أبدا » . فأخذ رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم الكتاب ، وليس يحسن يكتب فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله » « 1 » . فصوب أبو الوليد الباجي من قال بظاهر الحديث ، فقيل له : وعلى من يعود ضمير قوله : « كتب » ، فقال : على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقيل له : وكتب بيده ، قال : نعم ، ألا ترونه يقول في الحديث : « فأخذ رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم الكتاب وليس يحسن يكتب ، فكتب » . فأثار هذا القول منه ضجة ، وتكلم في ذلك من لم يفهم غرضه ، وقبّحوا عند العامة ما أتى به ، وأسخطوهم عليه ، ونسبوا إليه كل تكذيب وتعطيل ، وشنّع به بعض الخطباء في الجمع والجماعات . وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر ضمن قصيدة : برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال إن رسول الله قد كتبا وقد ضمنها خطيب دانية خطبته يوم الجمعة ، فأنشدها على رؤوس الملأ « 2 » .
--> ( 1 ) انظر : فتح الباري 9 / 44 . ( 2 ) انظر : ترتيب المدارك 8 / 122 ، سير أعلام النبلاء 18 / 540 .